مشهدك الحقيقي .. بين يديك
الأحد , 14 - أبريل - 2019
الرئيسية - المشهد اليمني - تعز والانتصار المحتوم

تعز والانتصار المحتوم

الساعة 05:08 مساءً (المشهد الخليجي/خاص:)

كتب : د. مراد القدسي 

الحصار والحرب المفروضة على تعز _ محافظة  العلم والسلام _ حرب مدمرة وعدوان غاشم ، وظلم وانتهاك للحرمات وقتل للأبرياء ، وفي المقابل نجد أن تعز تحمل على عاتقها نصرة الحق وصد العدوان ، ولا تقبل الضيم ولا الاستكانة ، وتأبى أن تتنازل عن مبادئها ، ولن تسمح للشرذمة المعتدية أن تدخل عليها إلا على جثث أبنائها ، وتقوم بواجبها على أكمل وجه تعبيرا باللسان على عدالة موقفها ، وثباتا بالجنان إيمانا بالله وثقة بنصره ، وعملا مشرفا في الميدان بسواعد كل الشرفاء فيها ، حتى تكسرت جماجم المعتدين على اسوارها وأصبح الأحياء منهم يبحثون عن مخرج من المأزق والنفق المظلم الذي ادخلوا أنفسهم فيه ، ولكن هيهات هيهات، فإن ربك لبالمرصاد .
عوامل انتصار تعز:
1. لقد وعد الله ووعده حق أن من كل يعتدي ويقاتل مظلوما ، فإن الله ناصر للمظلوم ومعزه ومذل لعدوه الظالم ،قال تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }
[سُورَةُ الحَجِّ: ٣٩] ، وقدرة الله غالبة وستتغير نواميس الكون بإذن الله تعالى، من أجل نصرة المظلوم ، وهذه سنة كونية لاتتغير .
2. الثبات على الحق والإصرار على الأستمرار في المواجهة من كل الفئات رجالا ونساء وشبابا وصغارا ، وقد ظهر هذا الثبات على كل من  يتصدى لجحافل العدوان الحوثي مهما كانت التضحيات ، هذا الثبات في حد ذاته نصر عظيم وتأييد من الله لهم ، فقد وُصفت هذه الروح المعنوية بأنها "فارق الإمكانات يعوّضه إيمان أبناء الأرض بكرامتهم". حتى في ظل تفوق الحوثيين العسكري، رفض المجتمع قبول الهزيمة كأمر واقع، بل حوّل الصمود إلى هجوم مضاد. وسيكون هذا الثبات ملهما لبقية أبناء اليمن ، وحاديا بهم للخروج من الضبابية والاستكانة  والضعف والهوان وخاصة في المناطق التي ترزح تحت سيطرة الفئة الظالمة ، وهذا الثبات سيمتد حتى يخرج من كان مناصرا للظالم بأن يعود إلى رشده والرجوع عن غيه  . 
3. سمعت مرة من أحدهم يقول _ مفتخرا _ أبن المحافظة وسمى محافظته "......" يولد ومعه السلاح ، وأبن تعز يولد ومعه القلم ، وكأنه يرى أن تلك منقبة لأبن محافظته ، ولكن هنا يتجلى النصر الحقيقي ، فالذي يملك القلم يملك وعيا حضاريا ورسالة سامية لايريد إلا الخير لبلاده ، ويريد نفعا للآخرين ، ولا يفرض رأيه ومذهبه وفكره عليهم إلا عبر الإقناع والحجة والبرهان ، ولكن إذا فرضت الحرب عليه واعتدي عليه ، فإن لاسبيل أمامه إلا حمل السلاح والتوجه للميدان ولو كان لديه درجة بروفيسور في الجامعة أو طبيبا في المستشفى ، حتى يرد هذا العدوان ، ويبقى القلم كاتبا عن عدالة القضية وبيان عدوان المعتدي ، ومن لا يفهم لغة العلم والحوار والسلام ، وحمل السلاح على المسالمين ونزل إلى عقر دارهم معتديا باغيا ، فلا سبيل أمام حملة العلم ومشاعل النور إلا التفاهم معه بنفس اللغة التي يفهمها .

4. الحاضنة الشعبية التي ربت أبنائها على السلم والكرامة في آن واحد ، عامل مهم في النصر فأب يقول لأبنه لا تعد إلا منتصرا ، وآخر يقول عند عزاء أخيه أخي اختار هذا الطريق ومات شهيدا ، ونحن لم نخسر بل انتصرنا ، ولم ياخذ الله منا شيئا وإنما أعطانا ، وآخر يقول عندما أصيب ابنه في رأسه واستشهد فيقول :" في رأسه لا في عقيدته" ، وعجوز تحمل السلاح وتقول ساخرج للقتال ، وكأنها تقول للشباب اكفوني المؤونة وكونوا رجالا على قدر المسؤلية ، كل هذه المواقف تدل على أن  الكرامة إذا مست فلاسبيل إلا المواجهة ،والحاضنة الشعبية قد ربت أبنائها على ذلك .

5. تعز تتنصر لأنها تدافع عن حقها في العيش في ظل الإسلام عقيدة وشريعة، وفي ظل  دولة تحميها دولة القانون والعدل ،وفي ظل الشورى واختيار من تراه ليحكمها ، وترفض رفضا قاطعا أن تكون تحت حكم جماعة متخلفة ظالمة تريد أن تفرض إرادتها بالقوة وتدعي أن لها حقا من الله بأن تحكمنا رغما عنا وتسلب إرداتنا ، وحاشا أن يكون ذلك فشريعة الله أتت بالعدل والشورى لا بالظلم والأعتداء ، هبت تعز مع جيشها تقاوم مقاومة شعبية قوية  وذلك رغبة في حماية الذات وانتصارا لمشروع وجود الدولة دولة النظام والقانون ، ولهذا قدمت للحكومة قاعدة دعم مهما ، مما جعل من الصعب على الحوثيين تكرار نموذج الاستيلاء السريع على مدن أخرى .

6. تتميز تعز بتضاريس جبلية وشعاب يصعب تجاوزها ، وتعتبر السيطرة على المرتفعات الرئيسية  والطرق (مثل طريق تعز-عدن) أمراً بالغ الأهمية. فقد استفادت أبناء تعز من هذه التضاريس لبناء خطوط دفاع، وأحبطت محاولات الحوثيين للتوغل من خلال المرتفعات. في المقابل، حاول الحوثيون أيضاً الاستيلاء على هذه المرتفعات لقطع خطوط الإمداد عن المدينة، لكنهم واجهوا مقاومة شديدة ، ولاشك أن كل منطقة دخلوا إليها لن تكون إلا مقبرة لهم ، ولا يحلموا بأن يظلوا فيها آمنين ، فعلى الرغم من أن الحوثيين سيطروا على بعض المناطق الريفية في جنوب وغرب تعز، إلا أن استمرار المقاومة سيجعلهم يدفعون ثمناً باهظاً. ومن المعلوم أنهم قد تكبدوا خسائر فادحة في المعارك الدائرة في تعز، مما شكل ضغطاً على قدراتهم القتالية وقدرتهم على الحشد. فتعز أصبحت "مستنقعاً استنزافياً" للحوثيين، وفي حال عدم قدرتهم على تحقيق هدف استراتيجي، فإن السيطرة على المناطق الريفية المحيطة قد تصبح عبئاً عليهم.

7. التضامن الوثيق بين الجيش والشعب فقد برز خلال المواجهات الدعم الشعبي الواسع، حيث لم يقتصر دور السكان على الانتظار، بل سارعوا إلى الجبهات، وقدموا المؤن والغذاء وحتى ذهب النساء وما يملكون . هذا التضامن بين "الجيش والمقاومة الشعبية" و"القاعدة الشعبية" شكّل قوة ملموسة لكسر هجمات الحوثيين. فالحوثيون  واجهوا ليس فقط قوات مسلحة، بل مجتمعاً حياً يتمسك بحقه في تقرير مستقبله ، وتلقت القوات الحكومية في تعز دعماً جوياً ولوجستياً من التحالف بقيادة السعودية. على الرغم من أن الضربات الجوية وحدها لم تكن كافية لقلب الوضع على الأرض، إلا أنها ساعدت في قصف مواقع الحوثيين والحد من قدرتهم على حشد القوات. في الوقت نفسه، لعبت القوات الحكومية المحلية والمقاومة الشعبية دوراً رئيسياً في صد الهجمات المتكررة للحوثيين على أطراف المدينة.