في ال٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ خرج ضباط شباب لم يتجاوز أكبرهم عمراً الثلاثون من عمره في مغامرة بدت في ذلك الزمن أقرب إلى المستحيل لم تكن خلفهم قبيلة تحميهم ولا قوى اجتماعية كبرى تسندهم كانوا ثلة قليلة عرفت بـ ( الضباط الأحرار ) قررت أن تفجر ثورة ضد نظام حكم رسخ سلطته لعقود وأحاط الحاكم بهالة دينية وسياسية جعلت الخروج عليه امر بالغ الصعوبة في مجتمع شديد العزلة عن العالم وبخروجهم في تلك الليله لحقت بهم كثير من القوى السياسبة والاجتماعية المعارضة للنظام الديني الامامي .
كان اليمني انذاك يعيش في بلد مغلق إلى حد كبير محدود الاتصال بما يجري خارجه بينما امتزجت السلطة السياسية بالدينية ( ثيوقراطية) لذلك لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 مجرد تغيير لشكل الحكم بل كانت صدمة حضارية كبرى لبنية سياسية واجتماعية ترسخت عبر سنوات طويلة من الجهل والفقر والمرض والعزله .
ومع ذلك تهاوت مؤسسات الحكم الإمامي سريعاً في صنعاء وتمكن الثوار من إعلان الجمهورية والسيطرة على العاصمة لكن فرحة الانتصار الأول لم تدم طويلاً إذ اندلعت بعد ذلك حرب طويلة بين الجمهوريين والاماميين ووصل الصراع إلى حصار صنعاء في واحدة من أخطر اللحظات التي واجهت الجمهورية الوليدة .
وفي تلك المعركة لم يكن الدفاع عن الجمهورية شأناً مناطقياً ضيقاً أو حتى شطرياً بل شارك يمنيون من مختلف مناطق اليمن في الدفاع عن عاصمة الجمهورية الوليدة وكان لأبناء المحافظات الجنوبية حضور وتضحيات كبيرة في صفوف الجمهوريين وجبهات القتال في نقيل يسلح بصنعاء وفي حجة وعمران وصعدة .
وفي المقابل جاءت ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الوجود البريطاني في الجنوب حتى انتهى ذلك الفصل باستقلال الجنوب في 30 نوفمبر 1967
سبتمبر وأكتوبر رغم اختلاف ظروفهما ومساراتهما مثلتا محطتين مفصليتين في تاريخ اليمن الحديث سبتمبر أنهت الحكم الإمامي وأعلنت الجمهورية في الشمال وأكتوبر فتحت طريق الاستقلال في الجنوب .
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود يعود الصراع حول الجمهورية والسلطة في اليمن بصورة مختلفة فعبدالملك الحوثي ( طفل مران ) يقود سلطة في صنعاء تستند إلى تصور ديني وسياسي للحكم في محاولة لإعادة إنتاج الماضي التي قامت ثورة سبتمبر ضدها .
لكن التاريخ اليمني يذكر الجميع بأن أنظمة بدت في زمنها أكثر رسوخاً وقوة لم تكن عصية على التغيير الإمامة واجهته ثورة سبتمبر والاستعمار البريطاني واجهته ثورة أكتوبر وفي الحالتين كانت التحولات أكبر مما توقعه كثيرون في بدايتها .
ولهذا تبقى سبتمبر وأكتوبر بالنسبة إلى كثير من اليمنيين أكثر من مجرد مناسبتين في التقويم إنهما رمز لفكرة أن الواقع مهما طال ليس قدراً أبدياً بل انه قابلاً للتغيير طالما هناك إراده ، وستعود روح سبتمبر وستبقى ذكرى أكتوبر فالتاريخ لا يتوقف عند جيل واحد واليمن الذي عرف الثورة والتغيير في القرن الماضي سيظل مستقبل نظامه السياسي في النهاية قضية يقررها اليمنيون أنفسهم .