قبل نحو ساعتين، تلقى والدي اتصالًا من جهة عرّفت نفسها بأنها جهاز الأمن والمخابرات في صنعاء، التابع لميليشيا الحوثيين، وأُبلغ خلاله برسالة مفادها: " أبلغ نجلك بأنه مشمول في قرار العفو العام الصادر مؤخرًا " .
في ظاهرها، تبدو الرسالة أقرب إلى محاولة التطمين، لكنها تحمل أكثر من معنى، وتتجاوز بكثير مضمونها المباشر.
فبالنسبة إليّ، لا يمكن فصل مثل هذا الاتصال عن حقيقة أن الجماعة التي تبعث اليوم برسائل تتحدث عن «العفو العام» هي ذاتها التي مارست بحقي التعذيب لعام كامل .
كما أنها لا تزال تمارس سياسة الاعتقال والقمع بحق آلاف اليمنيين في العاصمة صنعاء ومناطق سيطرتها.
فأي عفو هذا الذي يبدأ برسالة إلى شخص خارج المعتقل، فيما لا يزال آلاف المعتقلين داخل السجون ينتظرون حريتهم؟
وأي معنى يمكن أن يحمله الحديث عن العفو، إذا كان من أطلق هذا الشعار لم يفتح أبواب سجونه أمام من احتجزهم، ولم يضع حدًا لمعاناة عائلاتهم، ولم يكشف مصير من انقطعت أخبارهم، ولم ينصف من تعرضوا للتعذيب والإخفاء والانتهاكات؟
محاولة استدراج قد تكون وجهت للعشرات من السياسيين والمؤثرين، فهي رسالة مفادها أن هناك رصد ومتابعة للأنشطة والمواقف والتحركات.
إن اختيار هذا التوقيت تحديدًا، بعد التطورات العسكرية الأخيرة وسقوط المخا، لا يبدو بلا دلالة. فالجماعة، التي تدرك حجم التحولات والضغوط التي تواجهها، تحاول، كما فعلت في مناسبات سابقة، استخدام أدوات الترهيب والترغيب في آن واحد؛ فتلوّح بالعفو من جهة، وتذكّر بقدرتها على المراقبة والوصول من جهة أخرى.
وهي، في ذلك، لا تخاطب شخصًا بعينه فقط، وإنما تحاول إيصال رسائل أوسع إلى كل من تعتقد أن مواقفه أو نشاطه السياسي والإعلامي والحقوقي قد يشكل مصدر إزعاج لها، خصوصًا في ظل التحولات التي تشهدها البلاد، والاستعدادات السياسية والعسكرية لمواجهة ما فرضته الجماعة من واقع خلال السنوات الماضية.
هذا التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة، يضع الجماعة التي تتحدث اليوم عن «العفو العام» هي نفسها التي جعلت من السجون أداة للسيطرة والإخضاع، ومن الاعتقال وسيلة لمعاقبة الخصوم وإسكات الأصوات المعارضة. وهي نفسها التي لا يزال آلاف اليمنيين في مناطق سيطرتها يعيشون تحت وطأة الخوف من الاعتقال، أو ينتظرون مصير أقاربهم وأبنائهم خلف القضبان.
ولذلك، فإن العفو الحقيقي لا يكون انتقائيًا، ولا يُستخدم كورقة سياسية لاستدراج الخصوم أو تخويفهم، ولا يبدأ بمن هم خارج السجون ويتجاهل من يقبعون داخلها.
العفو الحقيقي يبدأ بإطلاق سراح المعتقلين.
يبدأ بإنهاء التعذيب والإخفاء القسري والإهانة، وكشف مصير المختفين، ورد الاعتبار للضحايا، ووضع حد لاستخدام أجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية أدواتٍ لقمع المجتمع وإخضاعه.
أما أن يُطلب من شخص أن يطمئن إلى «عفو» صادر عن جهة لا يزال كل الشعب يعاني من بطشها، فهذه ليست مصالحة، ولا يمكن أن تكون مدخلًا لبناء الثقة؛ إنها، في أحسن الأحوال، محاولة لنصب الفخ في صورة أخرى.
إن هذه الرسائل، بما تحمله من إغراء أو تهديد، لن تثنينا عن الطريق الذي اخترناه.
لم يكن موقفنا يومًا بحثًا عن مخرج شخصي، ولا رهينًا بعرض أو تهديد. إنما هو موقف من قضية وطن، ومن جماعة أرهقت اليمنيين، وصادرت مؤسسات الدولة، وفرضت واقعًا من القهر والتجهيل والطغيان، وتسببت في قتل وتشريد وانتهاكات واسعة، ولم يعد أثرها محصورًا داخل حدود اليمن، بل امتد خطرها إلى الإقليم وأصبح جزءًا من تهديد عابر للحدود.
لن نساوي بين الحرية التي نناضل من أجلها وبين عفوٍ يصدره من صادر الحرية أصلًا.
قد تتغير الجبهات، وقد تتبدل موازين القوة، وقد تتعدد الرسائل التي تُرسل في لحظات الارتباك والضغط؛ لكن المبدأ لا يتغير.
ومن يطلب من الآخرين أن يصدقوا عفوه، عليه أولًا أن يثبت أنه قادر على إطلاق سراح من في سجونه.