2026/11/01
«ميون» تحذر من نمط متصاعد لاستهداف العاملين الإنسانيين بعد وفاة الموظف الأممي محمد الشامي في معتقلات الحوثيين


أعربت منظمة «ميون» لحقوق الإنسان، في بيان صادر عنها من العاصمة المؤقتة عدن، عن قلقها البالغ إزاء وفاة الموظف في مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، محمد إبراهيم الشامي، أثناء احتجازه لدى سلطات جماعة الحوثي، وذلك بعد إبلاغ أسرته رسمياً بنبأ وفاته في المعتقل عقب أكثر من عامين من الاختطاف والإخفاء القسري وحرمانه من التواصل مع ذويه.

وأكدت المنظمة أن وفاة الشامي تثير مخاوف حقيقية وجدية بشأن مصير وحياة عشرات الموظفين الأمميين والدوليين، والعاملين في المنظمات الإنسانية، والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين لا يزالون رهن الاحتجاز التعسفي لدى الجماعة في ظروف قاسية وتعتيم كامل.

واعتبرت «ميون» أن هذه الحادثة المأساوية تندرج ضمن نمط متصاعد وممنهج من استهداف وقمع العاملين في المجالين الإنساني والحقوقي في اليمن، محملةً جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة كافة المحتجزين لديها، وداعيةً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك الفوري والجاد لفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات وفاة الشامي، والضغط للإفراج العاجل وغير المشروط عن جميع المختطفين.

نص البيان

قالت منظمة ميون لحقوق الإنسان إن وفاة محمد إبراهيم الشامي، الموظف في مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أثناء احتجازه لدى سلطات الحوثيين، تثير مخاوف بالغة بشأن مصير عشرات العاملين الأمميين والإنسانيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين لا يزالون محتجزين في مناطق سيطرة الجماعة. وأكدت ميون أن وفاة الشامي لا يمكن النظر إليها باعتبارها واقعة منفصلة، بل تأتي في سياق أوسع من الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والاتهامات الأمنية والملاحقات القضائية التي تستهدف العاملين في المجالين الإنساني والحقوقي.

وكانت قوات تابعة لجهاز الأمن والمخابرات التابع لجماعة الحوثيين قد اعتقلت محمد إبراهيم الشامي تعسفياً في 6 يونيو/ حزيران 2024، قرابة الساعة السابعة صباحاً. ومنذ ذلك الحين، لم تتلق أسرته أي معلومات عن مكان احتجازه أو التهم المنسوبة إليه، كما حُرمت من التواصل معه، ولم يُتح له التواصل مع محامٍ. وفي السبت 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أُبلغت أسرته بوفاته، دون تقديم أي تفسير لأسباب الوفاة أو الظروف المحيطة بها.

إن تأخر إبلاغ الأسرة بالوفاة، وغياب المعلومات بشأن ملابساتها، وحرمان المحتجز من التواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه، ليست تفاصيل إجرائية هامشية، بل مؤشرات خطيرة على حجم الانتهاكات التي قد يتعرض لها الأشخاص المحتجزون خارج أي رقابة قانونية أو ضمانات فعالة.

وتؤكد ميون أن تحديد سبب وفاة الشامي والوقوف على المسؤولية الجنائية عنها يتطلب تحقيقًا مستقلًا وفعالًا، إلا أن وجوده في عهدة سلطات الحوثيين يحمّلها المسؤولية المباشرة عن حماية حياته وسلامته، وعن الكشف الكامل والموثق عن ظروف احتجازه ووفاته.

إنسان خلف الاعتقال

لم يكن محمد الشامي مجرد موظف أممي انتهى به المطاف إلى الاحتجاز والوفاة؛ فقد خلّف وراءه أسرة ظلت لأكثر من عامين معلقة بين القلق والانتظار، محرومة من أبسط حقوقها في معرفة مصير أحد أفرادها.

يقول أحمد بيدر، أحد أقارب الشامي: “ترك اعتقال محمد أبناءً حُرموا من وجود والدهم؛ ابنته أنهت المرحلة الثانوية، وابنه لا يزال في المرحلة الابتدائية، أما أصغر أبنائه فلم يكن قد تجاوز عاماً ونصف العام حين اعتُقل والده. وعلى امتداد فترة احتجازه، ظلت الأسرة عاجزة عن معرفة مصيره أو الاطمئنان إلى سلامته، فيما لم يكن زملاؤه قادرين على التواصل معها لمعرفة أي شيء عنه”.

وامتد أثر الاحتجاز إلى زملائه الذين ظلوا عاجزين عن الوصول إليه أو معرفة ما يتعرض له. يقول زميله في العمل، عيدي المنيفي: “كم هو الوجع، كم هو القهر، كم هو الألم، كم هو الشعور بالعجز. لم نستطع أن نفعل لك شيئًا يُذكر، وقد فعلت لنا كل شيء. كنت كبيراً في إنسانيتك، وكنا أقزاماً أمامها”.

وتكشف هذه الشهادات أن آثار الاحتجاز لم تقتصر على الشخص المحتجز، بل امتدت إلى أسرته ومحيطه المهني، تاركةً وراءها معاناة ممتدة فرضها غياب المعلومات وانعدام القدرة على الاطمئنان إلى سلامته.

وفي هذا السياق، يقول عبده علي الحذيفي، رئيس منظمة ميون لحقوق الإنسان: “لم تكن لمحمد الشامي جريمة سوى أنه أدى عمله الإنساني والحقوقي، ومع ذلك اعتُقل وأُخفي عن أسرته وزملائه، ليعود إليهم جثة بعد أكثر من عامين من الاحتجاز. إن استهداف العاملين في المجال الإنساني والمدافعين عن حقوق الإنسان لمجرد قيامهم بواجبهم يكشف إلى أي مدى أصبحت مساعدة الناس والدفاع عن حقوقهم تهمة في نظر سلطات الحوثيين”.

وفيات متكررة وموجات اعتقال متصاعدة

لا تأتي وفاة الشامي دون سوابق. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2023، توفي هشام الحكيمي، مدير الأمن والسلامة في منظمة «إنقاذ الطفل»، بعد نحو 45 يوماً من احتجازه لدى الحوثيين. وأفادت المنظمة آنذاك بأن أسرته ومحاميه وفرقها لم يتمكنوا من رؤيته أو التحدث إليه طوال فترة احتجازه، وأن السلطات لم تقدم سببًا واضحًا لاعتقاله.

وفي فبراير/ شباط 2025، توفي أحمد باعلوي، الموظف في برنامج الأغذية العالمي، أثناء احتجازه، بعد اعتقاله في 23 يناير/ كانون الثاني من العام نفسه. وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة حينها أن الظروف المحيطة بوفاته لا تزال غير واضحة، مطالبًا بإجراء تحقيق فوري وشفاف وشامل، ومحاسبة المسؤولين.

وتتزامن هذه الوفيات مع موجات متعاقبة من الاعتقالات التي اتسع نطاقها ليشمل موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية. فمنذ 31 مايو/ أيار 2024، اعتقلت سلطات الحوثيين 13 موظفاً أممياً وما لا يقل عن 50 موظفًا في منظمات مجتمع مدني يمنية ودولية. كما شملت موجة الاعتقالات التي وقعت في 31 أغسطس/ آب 2025، 19 موظفًا من موظفي الأمم المتحدة. وقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة تلك الاعتقالات، مطالباً بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين.

وفي يونيو/ حزيران 2026، أفادت الأمم المتحدة بأن 73 من موظفيها لا يزالون محتجزين تعسفيًا لدى سلطات الحوثيين، وأن بعضهم محتجز بمعزل عن العالم الخارجي. وأكدت أن هذه الممارسات تنتهك القانون الدولي، وتقوّض قدرة المنظمة وشركائها على تقديم المساعدة لملايين المحتاجين في اليمن.

من الاتهامات العلنية إلى الملاحقات القضائية

تتخذ حملة استهداف العاملين الأمميين والإنسانيين والحقوقيين منحى أكثر خطورة مع تصاعد الاتهامات العلنية التي تطلقها جماعة الحوثيين بحقهم. ففي خطابات متلفزة خلال شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول 2026، اتهم زعيم الجماعة موظفين أمميين بالعمل ضمن خلايا تجسس تابعة لأجهزة استخبارات إسرائيلية وبريطانية وأمريكية. وتكتسب هذه الاتهامات خطورة بالغة في ظل غياب أدلة واضحة ومعلنة تتيح إخضاعها لفحص قضائي مستقل، وما قد يترتب عليها من عقوبات تصل إلى الإعدام.

ولم تبقَ هذه الاتهامات في إطار الخطاب السياسي والإعلامي، بل تطورت إلى إجراءات وملاحقات قضائية. فوفقاً لمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أحالت سلطات الحوثيين، منذ 18 أغسطس/ آب 2026، ما لا يقل عن ثمانية أشخاص يعملون في المجالين الإنساني والحقوقي إلى النيابة الجزائية المتخصصة، بتهم تتعلق بالتجسس وإعانة العدو، وهي تهم تصل عقوبتها إلى الإعدام. وشملت المجموعة موظفين أمميين، واستشارياً لدى الأمم المتحدة، وعاملين في منظمات مجتمع مدني. كما وثقت المنظمتان إفادات من أسر محتجزين بشأن تعرض ذويهم للتعذيب أو التهديد به، والضغط عليهم لانتزاع اعترافات، فضلاً عن حرمانهم من الرعاية الطبية الملائمة. ويعكس ذلك انتقال الاستهداف إلى مسار قضائي متصاعد، بما ينطوي عليه من مخاطر جدية على حياة المحتجزين وحرياتهم.

ولا تكمن خطورة هذه الإجراءات في طبيعة الاتهامات وحدها، بل في السياق الذي تجري فيه؛ من احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وقيود على التواصل مع الأسر والمحامين، واتهامات فضفاضة تتصل بطبيعة العمل الإنساني والحقوقي، ومخاوف من التعذيب وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه، فضلاً عن إجراءات ومحاكمات تثير مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء واحترام ضمانات المحاكمة العادلة.

إن تكرار هذه الوقائع، وتعدد الجهات المستهدفة، وتشابه أنماط الاعتقال والتشهير والاتهام والملاحقة، وصولاً إلى وقوع وفيات أثناء الاحتجاز، تشكل مجتمعة أساساً جدياً للاستنتاج بأن ما يجري يتجاوز الحوادث الفردية المعزولة، ويكشف عن نمط متواتر من استهداف العاملين الذين يقدمون خدمات إنسانية أو يوثقون انتهاكات حقوق الإنسان. ولا يقتصر أثر هذا النمط على الأفراد المستهدفين وأسرهم، بل يمتد إلى تقويض العمل الإنساني والحقوقي، وإخضاعه لمخاطر أمنية وقضائية تهدد استقلاله وقدرته على الوصول إلى السكان المحتاجين وتقديم الخدمات لهم.

سياسات الأمم المتحدة

تؤكد ميون أن على الأمم المتحدة أعادة النظر في مسؤوليتها المؤسسية تجاه موظفيها، ولا سيما الموظفين المحليين الذين يتعرضون للاستهداف بسبب عملهم معها. فموجات الاعتقال المتعاقبة كشفت عن قصور واضح في التدابير الاستباقية لحماية الموظفين المحليين، الذين ظل بعضهم محتجزا لفترات طويلة دون ضمانات كافية للتواصل مع أسرهم أو الحصول على الحماية اللازمة. ويستدعي ذلك مراجعة جدية لسياسات الأمم المتحدة في التعامل مع سلطات الحوثيين، وتقييم مدى فاعلية استجابتها للتدخلات التي استهدفت موظفيها وقيّدت عملها، وما إذا كانت سياسات الحوار والانخراط قد أسهمت عمليًا في الحد من هذه الانتهاكات، أم أخفقت في ردع استمرارها.

وفي هذا الإطار، تطالب ميون بإجراء مراجعة مؤسسية مستقلة تقيّم التدابير التي اتخذتها الأمم المتحدة قبل الاعتقالات وبعدها، بما في ذلك خطط نقل الموظفين وإجلائهم، ومستوى الدعم المقدم للموظفين اليمنيين وأسرهم، ومدى توفير الحماية والمساندة القانونية والنفسية لهم. وينبغي أن تكشف هذه المراجعة أوجه القصور المؤسسي، وأن تضع توصيات عملية لمعالجتها، بدل الاكتفاء ببيانات التضامن واستخلاص الدروس. كما يتعين أن تحدد إجراءات عاجلة وملموسة لحماية الموظفين الذين لا يزالون تحت سيطرة الجماعة.

الإطار القانوني والمساءلة

إن احتجاز الأشخاص يضعهم تحت سلطة الجهة القائمة بالاحتجاز، ويحمّلها التزامات قانونية مباشرة بحماية حياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية، وضمان معاملتهم معاملة إنسانية، وإتاحة التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم. ويشكل الحرمان التعسفي من الحرية، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، أفعالًا تتعارض مع الالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فضلًا عن الضمانات ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني، متى انطبقت شروطه.

ويكتسب واجب التحقيق أهمية خاصة عند وقوع وفاة أثناء الاحتجاز؛ إذ يتعين إجراء تحقيق مستقل وفعال وشامل وشفاف، يشمل ظروف الاحتجاز والرعاية الطبية وسجلات الزيارات والاستجواب، مع ضمان حفظ الأدلة وتمكين الأسرة من معرفة الحقيقة. وفي حالة محمد الشامي، لا يجوز الاكتفاء بإعلان وفاته أو تقديم التعازي لأسرته. بل يتعين الكشف عن مكان وتاريخ الوفاة، وسببها الطبي، وظروف احتجازه خلال الفترة السابقة لها، والجهات والأشخاص الذين تولوا الإشراف عليه، وأي إجراءات اتُخذت بشأن حالته الصحية. كما ينبغي تمكين جهة مستقلة من الوصول إلى السجلات والأدلة والشهود، وضمان مشاركة الأسرة في إجراءات التحقيق، وتحديد المسؤولية الفردية لكل من يثبت تورطه أو تقصيره، ومحاسبة المسؤولين وفقًا للقانون.

تم طباعة هذه الخبر من موقع المشهد الخليجي https://www.almashhadalkhaleeji.com - رابط الخبر: https://www.almashhadalkhaleeji.com/news72640.html