2020/12/01
صدمات تعصف بفقراء اليمن: لا مصادر لكسب العيش

عندما قامت الحرب في اليمن قبل ما يزيد على خمسة أعوام، كان خالد نجيب، يعمل معلما في إحدى المدارس الحكومية وراتبه يتجاوز 80 ألف ريال بسعر الدولار آنذاك (250 دولاراً).

فجأة وجد نفسه على قارعة الطريق بدون دخل بعد فترة من أول صاروخ أطلقته إحدى الطائرات الحربية للتحالف تدشيناً بإعلان حرب عبثية كان اليمنيون الأبرياء البسطاء أكثر من نالتهم نيرانها حتى الآن.

بعد عام ونصف من الحرب قررت الحكومة اليمنية نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء "شمال" الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدن "جنوب" بعد اتخاذها من قبل الحكومة عاصمة مؤقتة، حدث ما لم يكن في حسبان أحد في اليمن، إذ توقفت مرتبات نحو 1.2 مليون موظف في القطاع العام يعيلون أُسر يزيد عددها على خمسة ملايين فرد.

وكان نجيب أحد هؤلاء الموظفين الذين فقدوا رواتبهم الأمر الذي اضطره للبحث عن عمل آخر يصرف منه على عائلته المكونة من سبعة أفراد.

يقول لـ "العربي الجديد" إنه بحث طويلاً عن عمل ليحمي أولاده وأسرته من مذلة الحاجة بعد ما فقدت عائلته مصدر دخلها الرئيسي، مشيراً إلى أنه لم يجد عملاً سوى في أحد أفران الخبز وما يزال يعمل به حتى الآن مع تفاقم الأوضاع المعيشية وترديها أكثر مع إطالة أمد الحرب.

لم تتوقف المأساة عند الموظفين وعمال القطاع الخاص، بل طاولت أهم الشرائح والفئات العمالية الكادحة في اليمن، إذ يقول النازح في صنعاء من محافظة الحديدة غربي اليمن، فؤاد الشغدري، لـ"العربي الجديد"، إنه كان يعمل في صيد الأسماك بالمحافظة اليمنية الساحلية التي شهدت معارك عنيفة خلال الفترة 2017 و2019 وتوترات متواصلة حتى الاَن، ما أدى إلى تشريده من مدينته وعمله ووقوعه في براثن الفقر والبطالة.

وتعرض البلد المنكوب بفقر وبطالة مزمنة على مدى السنوات الماضية من الحرب، إلى تدمير هائل وخسائر ضخمة في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية وتفاقم المعاناة الإنسانية وتوسع الفقر وتزايد أعداد البطالة.
ويقول مسؤول في الصندوق الاجتماعي للتنمية، وضاح الأشول، إن توقف محافظ التمويلات الدولية في السنوات الأولى للحرب أدى إلى تعثر عديد المشاريع المبرمجة في الخطط التنموية المعدة سابقاً، وبالتالي تسريح عمالة كثيفة كانت تستوعبها.

ويضيف الأشول لـ"العربي الجديد"، أن ذلك أدى إلى انضمام هذه العمالة متعددة مستويات المهارة والتأهيل إلى طوابير البطالة المتضخمة وبالتالي ارتفاع مستويات الفقر، إذ أصبحت مئات الاّلاف من الأسر اليمنية بدون أي عائل ومصدر دخل مع تضييق فرص وسبل العيش بشكل كبير ووصلها لمرحلة الانعدام.

ورغم أن عوامل تفشي وتسارع انتشار الفقر في اليمن متعددة ومزمنة، إلا أن حدة وتيرتها زادت في السنوات الأخيرة، نتيجة التداعيات التي أدت إلى ارتفاع سعر صرف الدولار وتدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية التي تبلغ حاليا نحو 830 ريالاً في السوق السوداء بالإضافة إلى انكماش الأنشطة الاقتصادية، ما أدى إلى مزيد من انزلاق الأسر في معدلات الفقر.

وطبقاً لأحدث البيانات الرسمية فقد بلغ عدد السكان غير الاَمنين غذائياً في اليمن نحو 20.1 مليون شخص بدون المساعدات الغذائية، أو 15.9 مليون شخص مع المساعدات.

وارتفعت نسبة الفقراء في اليمن بين عامي 2014 و2018 بشكل حاد. وتشير تقديرات رسمية إلى أن معدل الفقر بلغ 76.9% عام 2016، فيما زادت هذه النسبة عام 2017 إلى 77.9%، وإلى 78.8% عام 2018. ومع استمرار الوضع الحالي المتردي وتواصل التراجع الاقتصادي وصعوبة الأوضاع الإنسانية فإن معدلات الفقر مرشحة للزيادة إلى معدلات تفوق 80% خلال عام 2020.

دروس من ذكرى الاستقلال

يحتفل اليمنيون من صعدة شمالا إلى عدن جنوباً ومن المهرة أقصى الشرق إلى الحديدة غرباً يوم غد الاثنين الذكرى الثالثة والخمسون للاستقلال الوطني 30 نوفمبر 1967 التي انتزع فيها اليمنيون استقلالهم وأجلوا آخر جندي بريطاني من جنوب الوطن.

مثّل الاستقلال خاتمة نضال اليمنيين شمالا وجنوبا ضد المستبد الداخلي المتمثل في الكهنوتية الامامية والمستعمر الخارجي ممثلاً في بريطانيا أو ما كان يطلق عليها سابقاً بـ"الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، فكان الثلاثون من نوفمبر المحطة التاريخية الفارقة لانتصار هوية اليمن ووحدة أراضيه ضد مشاريع التشرذم والتمزيق.

ويعد الثلاثين من نوفمبر تتويجاً للنضال الثوري اليمني سواء ضد الحكم الإمامي الكهنوتي والذي بدأ عام 1948 بمسمى "الثورة الدستورية" ثم تلاه ثورة 1959 إلى أن توج النضال بنجاح ثورة الـ26 من سبتمبر 1962 الخالدة، واستكمل المسار الثوري باشعال ثورة الـ14 من اكتوبر 1963 ضد المحتل البريطاني وصولا إلى يوم الاستقلال المجيد الـ30 من نوفمبر 1967.

ويحق لليمنيين المفاخرة بأنهم حققوا في الـ30 من نوفمبر 1967 وعياً سياسياً خلاقاً تشكل منذ وقت مبكر ومازال متواصلاً حتى اليوم في الدفاع عن الثوابت والمكتسبات الوطنية المتمثلة في الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية.

وتأتي الذكرى الثالثة والخمسون واليمنيون مايزالون يخوضون حربهم ضد مشروع استعماري طائفي مقيت تقوده سلالة ادعت زوراً وبهتاناً بامتلاكها البشر قبل الحجر بـ"توجيه إلهي" وتمثل أسوأ صورة للكهنوتية الرجعية التي تحمل في طياتها مشروع استعماري استعبادي يسعى لتركيع الشعب اليمني وتحريف نهجه ومبادئه وجمهوريته، واستبدال أحقية الشعب في حكم نفسه بنفسه واختيار من يرتضوه، إلى أحقية السلالة والفرد والزج بأبناء اليمن في محارق موت إلى قيام الساعة.

وليس بعيد أيضاً ما يحصل لوطننا وتحديداً في جنوب البلاد من عبث ومحاولات فرض مشروع "القرية" على ما ارتضاه اليمنيون من خيار أجمعوا عليه في مؤتمر الحوار الوطني الشامل المتمثل في يمن اتحادي يضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة، إلا أن من راهنوا على القوة والدعم الخارجي في محاولة قمع خيارات الشعوب سيصحون بعد أن دمروا وأغلوا في الدماء أنهم راهنوا على "جواد خاسر" وكانوا بمثابة "حصان طروادة" للعبث باليمن وتفتيته.

لم يعد الوضع يحتمل المزيد من التهور وصم الآذان والمزيد من التقسيم والتشرذم فالعدو لليمن في كل أرجائه شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً واحد فقط ممثلا في ميليشيا الحوثي الارهابية المدعومة من ايران، والتي أشعلت فتيل الحرب الأهلية بانقلابها على الشرعية اليمنية، وتسببت في الدمار والخراب الذي حل باليمن، ودون ذلك تغريد خارج السرب وصب المزيد من الزيت على النار، ومنح المزيد من الوقت لتعيش "البكتيريا الحوثية" في جسد يمن المجد والتاريخ.

وبات مؤكداً أن اليمنيين لم يعودوا بحاجة إلى قراءة تاريخهم ليستمدوا منه الدروس والعبر فها هو التاريخ أعاد نفسه وإن بمسميات وأشكال مختلفة، لكن أدوات العبث والتفتيت ماتزال هي نفسها لم تتغير، وحري بمن صنعوا الأمجاد والحضاارت أن يفكروا جيداً ويعيدون حساباتهم ألف مرة قبل الرهان على أي "مشاريع صغيرة" تسعى لإعادة اليمن قروناً غابرة ومثلت علامة سوداء في تاريخه السعيد، ورهاننا هنا على الحكمة اليمنية وإيجاد حل داخلي تجتمع فيه كافة الأطراف المناهضة للمشاريع التفتيتة ليكون الخيار الأمثل لإنهاء الكارثة التي حلت بـ"العربية السعيدة" لأن الخارج لن يفرش الورود وإنما سيبحث عن مصالحه على حساب الشعوب، ولنا فيما يحل بأشقائنا العرب وفي تاريخنا خير الأمثلة.

تم طباعة هذه الخبر من موقع المشهد الخليجي https://www.almashhadalkhaleeji.com - رابط الخبر: https://www.almashhadalkhaleeji.com/news17572.html