مدينة تعز
وعن مدينة تعز كتب نيبور "تقع مدينة تعز عند أسفل جبل صبر وتحاط المدينة بسور يبلغ سمكه من 16- 24 قدمًا ثُبِّت عليه عدد كبير من البروج الصغيرة، وتتداخل في سور المدينة صخرة عمودية يصل ارتفاعها إلى ما يقرب من 400 قدم، وعلى هذه الصخرة تقع قلعة القاهرة ذات الأسوار المزدوجة جزئيًا. وتوجد في السور بوابتان متقاربتان تقريبًا، باب الشيخ موسى والباب الكبير، وأيضًا برج متصل بإحدى جهات السور، وتوجد بوابة مؤدية إلى الجبل".
ولاحظ نيبور أن جميع مدن اليمن ترتبط بأسماء الأولياء، ومن عادة الناس في الشرق السكن بجوار مقابرهم، معتقدين أن ذلك يقربهم من جثمان الأولياء والقديسين وغيرتهم الدينية تحقق لهم السعادة أكثر، سواء في الأرض أو في السماء. تعز ترتبط باسم إسماعيل الملك المجلل من قبل السُنيين في اليمن، ومن الجائز أن يكون هو نفسه في فترة ما حاكمًا لهذه الأرض، وفوق قبره شيَّد جامع كما هو متبع في العالم العربي. ولكن ومنذ بعض الوقت لا يجسر أحد على الاقتراب من قبره، وحدَّثوا نيبور عن أسباب ذلك. ووفقًا للأسطورة فقد حدث ذلك بعد أن وصل مسكينان إلى حاكم تعز للعطاء، إلا أن الحاكم أعطى المال أحدهما فقط فرمى الآخر بنفسه إلى قبر إسماعيل الملك المشهور في حياته بالتقوى والعطف ونادى بالمساعدة والعدل، وبدا كما لو أن القبر انشق ومد الولي هذا المسكين رسالة إلى الحاكم يأمره فيها بتسليمه مائة تالير دون إبطاء. وخضعت هذه الرسالة للبحث والتمحيص الدقيق وتأكد أنها كتبت بخط يد الولي وعليها خاتمه. ولأنه لم يكن بمقدور الحاكم رفض إرادة الولي فقد سلَّم للمسكين المبلغ المحدد، ولكي يحتاط لنفسه في المستقبل من مثل هذه الشكايات، سدّ المدخل المؤدى إلى مقبرة الولي بالحجارة ومنع الاقتراب منه.
وتوجد في تعز مساجد كثيرة. وبالقرب من مسجد إسماعيل الملك يقع مسجد الشيخ موسى، وإلى الشرق منه وعلى تل صغير مسجد ومصلى على ضريح المظفر وأسرته. وتبدو هذه المساجد واضحة للعيان من بعيد، وتذكِّرنا بالبناء المعماري التركي، الأمر الذي جعل نيبور يستنتج في البداية بأنه من المحتمل أن المظفر كان باشا تعز، ولكن فيما بعد تراجع نيبور عن استنتاجه ذلك لعثوره في جدران المساجد على تشكيلات بخطوط كوفية بحيث كان من الصعب على العرب أنفسهم قراءته: إن الخط العربي الكوفي القديم الذي كتب به القرآن الكريم لم يعد يستخدم منذ القرن العاشر. ولا يزال جامع المظفر بمئذنتيه الاثنتين باقيًا منذ القرون الوسطى، الذي بناه أحد ملوك دولة بني رسول وذلك في القرن الثالث عشر، ومسجد الأشرفية بمنارته الوحيدة وقببه الصغيرة المتعددة. وشاهد نيبور غالبية المساجد الباقية مدمرة ولم يذكر أسماء من شيَّدوها أو أسماء من شُيِّدت تكريمًا لهم.
لقاء الامام في صنعاء
فهم نيبور أنه من غير المحتمل أن تتم مقابلة الإمام لوحده، غير أنه لم يكن يتوقع أن يرى هذا الحشد الكبير من الناس، لقد كان القصر مليئًا بالحرس والخدم والعبيد والطواشي. شق الموظف الذي اصطحبه وزملائه طريقه بالسوط. والآن هم في صالة مقببة ضخمة توجد في وسطها نافورة، وفي عمق الصالة وعلى المنصة التي يقود إليها عدد من الدرجات، ثُبِّت كرسي العرش، وعلى كرسي العرش هذا الذي صمم بأرجل تركية، جلس الإمام مرتديًا قميصًا أخضر مضيئًا وبأكمام واسعة وطويلة، وعلى صدره بدت عقد ذهبية كبيرة وجميلة، وعلى الرأس عمامة ناصعة البياض.
ويبدو من مظهره أنه يبلغ من العمر أربعين سنة، أما جلده فقد كان أسود. وعلى جانبي كرسي العرش رقدت الوسائد، وعلى يمين الإمام أحفاده، وعلى يساره إخوته. وعرف نيبور بأن لدى الإمام اثني عشر أخًا، البعض منهم يشبهون الأفارقة.
وعلى درجة واحدة أدنى من كرسي العرش جلس الفقيه أحمد. و"الفقيه" ليس اسمًا إنما لقبًا "مبدع، فيلسوف"، وفي الدرجة الأدنى من الفقيه أحمد، أخذ المستشارون وأصحاب الرتب العسكرية والمشايخ أماكنهم. وحضر الأوروبيون إلى الإمام. وتذكَّر نيبور جيدًا أنه يجب عليه تقبيل اليد اليمنى للإمام في راحة اليد وظهرها وكذلك ركبتيه، وانحنى أمامه وسادت لحظات صمت المقابر وبالكاد مس يد الإمام، فإذا بمنادٍ يقف في مكان ما في الخلف يصرخ بكلمات تحية للإمام "اللهم يا رحمن يا رحيم احفظ إمامنا العظيم لخير المؤمنين" وبنفس هذه الألفاظ ردد الحاضرون. وكاد نيبور يسقط من المفاجأة لولا المصافحة بالأيادي.
والآن يجب على نيبور الإفصاح بمفردات التحية التي حفظها طويلًا، ولكن الزخرفة والأبهة وكثرة الناس وشخصية الإمام، إضافة إلى الصيحات والهتافات عديمة المعنى، كل ذلك أربك الجغرافي المسكين ولم يستطع حتى فتح فمه. عندئذٍ وقف الفقيه أحمد يحدِّث الإمام على عجل، في حين أشار نيبور إلى أنه لم يفهم كلمة واحدة مما قيل، ولذلك أصبح من اللازم توضيح الأمر من خلال المترجم. وتحدث نيبور قائلًا: إنهم استخدموا البحر الأحمر كأقصر طريق من الدانمرك إلى الهند، ونسي أن يتحدث عن الأهداف العلمية للبعثة، ومن حسن حظه أنه لم يلبث أن أشاد بالعدل والنظام السائدين في أرض الإمام، واختتم: والآن يا صاحب الجلالة، إننا مهتمون كثيرًا بكل ما قابلناه هنا، ولذلك فقد قررنا التعرف عن كثب على عادات وتقاليد البلاد، لكي ننشرها مستقبلًا في بلادنا. شكرًا لكم ولمجاملتكم وكرم ضيافتكم.
ـ مرحبًا بكم في بلادنا أيها الأجنبي الكريم - رد عليه الإمام - تصرفوا هنا بكامل حريتكم، وبإمكانكم البقاء في هذه الأرض بمقدار ما يتطلب ذلك عملكم واهتماماتكم، وما دمتم تشعرون بالسعادة والهناء.
ولم تستغرق هذه الجلسة اللطيفة سوى دقائق، ومن ثم ودّعوا وداعًا مهيبًا، ومن جديد صرخ المنادي ببعض الكلمات تمجيدًا للإمام، وابتهالًا إلى الله بأن يمده بالصحة والمقدرة، وغادر الأوروبيون القصر.