مشهدك الحقيقي .. بين يديك
الأحد , 14 - أبريل - 2019
الرئيسية - المشهد اليمني - معبد أوام "محرم بلقيس" بين الحاضر الماضي"تقرير"

معبد أوام "محرم بلقيس" بين الحاضر الماضي"تقرير"

الساعة 02:12 صباحاً (المشهد الخليجي )

 


يقف طفل بسن 12 عام تقريبا كحارس وبواب لمعبد عمره أكثر من 3 ألف عام. المعبد الأشهر والأقدم في اليمن والجزيرة العربية, أوام أو ما يطلق عليه "محرم بلقيس".

صبي وبوابة وسياج متهالكان, كل ما يلوذ عن أهم المواقع التاريخية اليمنية.

إن وصف معبد أوام بذاكرة اليمن التاريخية ليس مبالغة, ففي هذا المعبد أكتشفت أغلب وأضخم وأهم ألواح المسند التي تدون حضارة الدولة السبئية والتي تكشف المجهول من تاريخنا, وتعيد سرده بطريقة علمية بعيدا عن الأساطير.

نبذة عن المعبد:
تشير الدراسات أن تاريخ بناء معبد اوام يعود للألفية الثانية قبل الميلاد. يتكون المعبد من سور مبنى بالأحجار الكلسية يبلغ طولها حوالي (752م) بسماكة تتراوح من (5:3م)، ويتوسطه فناء بطول (52م) وعرض (24م) وضعت فيه الأعمدة الثمانية، أما المدخل فيقع في الجهة الشمالية الشرقية من السور. تؤكد الأبحاث إلى أن معبد (أوام) هو المعبد الرئيسي للإله (إل مقه) إله الدولة السبئية والذي كان يعرف بإله القمر. منذ إنشاءه ظل أوام قبلة للحجاج اليمنيين حتى نهاية القرن الرابع الميلادي.

تمت الحفريات الجزئية لأعمدة أوام في 1951 -1952 من قبل المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان التي قادها ويندل فيليبس، حيث قامت بتنظيف قاعة المدخل بالكامل تقريبًا وتسجيل العديد من الاكتشافات. أيضا قام الباحث الأمريكي ألبرت جام بتوثيق عدد 300 نقش مسندي ومن ثم فكها وترجمتها من السبئية للانجليزية في كتاب أصدره عام 1962 بعنوان "نقوش مسندية من محرم بلقيس". الكتاب المكون من حوالي 500 صفحة لم يترجم للعربية إلى اليوم.

تعد النقوش المسندية المكتشفة في الجزء المنقب منه وثائق تاريخية غاية في الأهمية وأساس علمي ومنهجي للأبحاث الخاصة بالتاريخ اليمني القديم لما تحتويه من تسجيل للأحداث الكبرى التي مرت بها مملكة سبأ مثل الحروب والعلاقات الخارجية وأسماء الملوك, على سبيل المثال.

قصة من الإهمال:
هكذا تحولت الدعوة من استمرار التنقيب في المعبد الكبير إلى دعوة لحماية ما تم التنقيب عنه.

في صورة التقطها عميد الفتوغرافيين اليمنيين, الصحفي عبدالرحمن الغابري, في سبعينات القرن الماضي يتبين كيف أن جدران أوام العتيقة كانت مكانا لممارسة القنص بالأسلحة النارية والتي تركت ثقوبا غائرة لا تندمل على الجدران والنقوش.

منذ نهاية التنقيبات الأمريكية الأولى ظل المعبد مهملا مكشوفا حتى أن أجزاء منقبة منه زحفت عليها الرمال مرة أخرى. عندما قدمت بعثة أمريكية أخرى عام 2005 للتنقيب في مواقع أخرى من المعبد, اضطرت لتنظيف ما سبق تنظيفه قبل عقود.

يكفي أن تعرف أن ليس للمعبد إدارة أو كيان رسمي يشرف عليه إلا من صبي وقبله مسن مهمتهما أخذ 500 ريال للدخول -فقط-.

سياج من الشبك المتهالك حول المعبد والذي يمكن تجاوزه بسهولة, هو كل ما يتوفر من حماية. لا يوجد إحصاء رسمي للقطع الموجودة ولا جرد دوري ولا أحد يعرف كم من القطع قد نهبت واختفت أو اتلفت.

يحكي المصور عبدالله البدوي عن ملاحظته أثناء زيارة لتصوير المعبد أن قطعا من البرونز كانت على الجدران تم سحبها بطرق تركت أضرار فادحة عليها.

الألواح المنقوشة بإتقان مذهل مرمية على الأرض الرملية وقد غطيت أجزاء منها, أو كسرت بسبب مشي الزوار فوقها. العبث بأقلام الحبر يملأ الجدران ويعتدي على حرمة الحضارة السبئية. هناك من لا يكتفي بالحبر ويحفر على الجدران والنقوش بالآلات الحادة.

إهمال متعاقب:
حين أصبحت مدينة مأرب واحدة من أكثر المدن اليمنية اكتظاظا بالسكان منذ 2015 وحتى اليوم, يؤمل أن يقود هذا التغيير الديموغرافي والسياسي لتغيير واقع الآثار بمأرب, فهي تمثل ثروة لا تقدر بثمن وتعطيها مكانتها الحضارة المميزة في وجدان اليمنيين. لكن ما حدث أن الأمر لم ينعكس ايجابا في معبد أوام بل ربما زاد وضعه سوءا. فمع عدم وجود أولوية للمحافظة والسلطة المحلية تجاه المواقع الأثرية، ومع زيادة عدد السكان ومن ثم الزوار لهذه المواقع ومنها معبد أوام, زادت المخاطر على المعبد من العبث والتخريب إلى النهب. فالزوار بلا رقيب ولا حسيب؛ لترى العبث يطغى على المكان.

يفتقر هذا المكان التاريخي لأبسط أشكال الحماية مثل وجود لوحات وتعليمات إرشادية على البوابات وداخل أروقة المعبد وفريق من الموظفين يشرف على تنفيذها. كما يفتقر المعبد لحاميات زجاجية على الألواح المسندية والجدران, ويفتقد إلى الحواجز التي تحول دون تعرض آثار المعبد للمس عداك عن العبث. كما لا توجد أي سلل للقمامة لذلك ترى القوارير البلاستيكية تزاحم النقوشة بشكل مفزع. عداك عن عدم وجود كاميرات مراقبة وإضاءة ليلة توفر أمن من العبث أو النهب.

ما الذي يمكن عمله:
حسب الباحث في نقوش المسند, الأستاذ علي ناصر صوال فقد تم العثور على نقش سبئي يعتبر قانون إلزاميا لكل إنسان يحج في معبد أوام. و ينقل صوال المفهوم العام للنقش.

"هكذا لا يجوز أخذ وإهداء كل إنسان من أملاك المعبد أوام كهدايا ب

ين معبد حروان ومعبد أوام حين يأتي لأداء الحج، أمر بذلك إلمقه سيد أوام بما أمر به الملك وأتباعه سبأ وفيشان". ويالها من مفارقة تبعث على الفخر والحزن في آن.

بتخلي الجهات الحكومية عن أبسط واجباتها تجاه المواقع التاريخية، إنما تخذل الماضي والحاضر والمستقبل. إن انشغال المحافظة بالمعارك العسكرية ليس مبررا كافيا, فهكذا أمر لا يكلف الكثير ويستدعي من الأهمية عمل شيء وبالإمكان ذلك. لقد قامت المحافظة بتنظيم معرض كتاب بشكل خلاق قبل أشهر فهل يتعذر عليها التحرك تجاه المواقع الأثرية. يكفي أن نعرف أن أشد ما أفزع الفرنسيين عند تعرضهم للغزو النازي أثناء الحرب العالمية هو حماية التراث الحضاري لباريس من التدمير.

يحتاج هذا الموقع العظيم للرعاية والحماية من قبل السلطة المحلية والجهات الحكومية ذات الصلة مثل مكتب الآثار ومكتب الثقافة, كأن يكون هناك إدارة للموقع تشرف على حراسته وحمايته من العبث ونظافته من المخلفات. يحتاج الموقع أيضا لوحات إرشادية ووضع حماية زجاجية على الألواح المسندية وسياج عازل على جدران المعبد. كما يلزم وضع كاميرات مراقبة في أرجاء المكان. كل هذا وحتى أكثر ليس مكلفا وإنما يلزمه قرارا من المحافظ، الشيخ سلطان العرادة، كي يصبح أمرا واقعا